socialism.org.il
تصعيد
التّأزّم في القدس
الحاجة لإحياء اليسار الفلسطيني
جان مزّاوي
2015/10/01 10:46

منذ 3 أسابيع تشهد السّاحة الفلسطينيّة تصعيدا في الاعتداء الإسرائيلي، حيث أخدت الدّولة سياستها العنصرية إلى مرحلة جديدة من الاضطهاد في جميع أنحاء البلاد.

تصعيد في القدس

بشكل طبيعي تمحورت التطورات الأخيرة الأحداث في القدس، حيث ازدادت اقتحامات المستوطنين الإسرائيليّين لساحات المسجد الأقصى تحت حماية جيش الاحتلال، ما يعتبر انتهاكا للوصاية الاردنية على المسجد الاقصى بحسب الاتفاقيات الدولية. ووصلت الأحداث ذروتها في مواجهات بين المرابطين وقوّات الجيش داخل المسجد في 13.9 التي تسبّبت بأضرار للمبنى الداخلي للمسجد. في ظلّ الأحداث كشفت الحكومة الإسرائيليّة مخّططها لتقسيم الحرم الشّريف بين المصلّين المسلمين واليهود، كما تفعل في الحرم الإبراهيمي في الخليل منذ عام 1994، ممّا زاد غضب السّكّان المقدسيّين ودفع بعض الحركات الوطنيّة للمناداة بانتفاضة ثالثة.

في أعقاب هذه الاعتداءات وردود الفعل الدفاعية في الشارع الفلسطيني ازداد القمع الإسرائيلي لسكّان القدس الفلسطينيّين، حيث يفرض الجيش الإسرائيلي منذ بداية الشّهر قيود تمنع جزء كبيرا من المسلمين الدخول للمسجد الأقصى. إضافة إلى ذلك فإنّ المسجد موجود في الأسبوع الأخير تحت حصار إذ يمنع الاحتلال جميع الرّجال تحت جيل الأربعين وبعض النّساء المُدرج اسمها في "القوائم السوداء" من دخوله كلّيّا، وفي نفس الوقت يسمح لعصابات المستوطنين اقتحام ساحات المسجد بشكل حرّ واقتضاء الصّلاة فيه. فبات واضحاً أنّ الدولة قامت بتقسيم الحرم الشّريف كما زعمت أن تفعل في الفترة الأخيرة.

ولم تقتصر سياسة الحصار على المسجد الأقصى فقط، فأغلقت السّلطات الإسرائيليّة مساء عيد الأضحى مداخل الحارات والقرى المقدسيّة صور باهر وجبل المكبر والعيساويّة وسلوان، وذلك بوضع مكعّبات ضخمة من الإسمنت لتمنع أي دخولا إلى القرية أو خروجا منها بحجّة تجنّب الاشتباكات بين سكّان القرى وبين المستوطنين في يوم الغفران اليهودي.

وفي الأيّام الأخيرة ازدادت وتيرة الاقتحامات للمسجد الأقصى، حيث اقتحمت قوّات الجيش الإسرائيلي المسجد يوم الاثنين (28.9) واستعملت سلاح المطّاط والغاز المسيل للدّموع ضد المرابطين، وذلك قبيل عيد العرش (سوكوت) اليهودي.

الضّفّة الغربيّة

يجب الذّكر أنّ التّصعيد في القدس هو نتيجة لسياسة قمع تّتبعها إسرائيل في جميع أنحاء البلاد وليس فقط في القدس. فحسب جمعيّة "بتسيلم" في السّنة الأخيرة قتلت قوات الجيش الإسرائيلي 21 فلسطينيّا في الضّفّة الغربيّة، منهم قاصرَين، وإحدى الضّحايا كانت الفتاة هديل هشلمون من الخليل الّذي قتلها جنود الاحتلال بدمّ بارد أمام الكاميرات وابتسامات المستوطنين المتهكمة.

وعقب التّطورات الأخيرة نظّم شابّات وشبّان فلسطينيّون عدّة مظاهرات في مدن الضّفّة الغربيّة مثل بيت لحم والخليل وجنين، وتطوّرت هذه المظاهرات لمواجهات مع قوّات الاحتلال وقوات الأمن الفلسطينيّة المتعاونة الّتي أثبتت مرّة أخرى أنّ السّلطة الفلسطينيّة هي مجرّد كلب حراسة لسلطة إسرائيل في المناطق A. كما ونظّمت حركة حماس مسيرة غضب استنكارا لممارسات الاحتلال في الأقصى يوم الثّلاثاء (29.9) من رام الله نحو مستوطنة بيت-إل، ولافت المسيرة ردّ عنيف من قوّات الاحتلال. وفي نفس اليوم ازدادت المظاهرات والمسيرات الحاشدة في مدن الضّفّة الغربيّة والمواجهات مع الاحتلال وقد أسفرت عن عشرات الإصابات للمتظاهرين.

واحتدّت المواجهات بعد مقتل أم وأب مستوطنين من قبل مجهولين فلسطينيّين في 2.10 بالقرب من نابلس، مما جعل عصابات مستوطنين إرهابيّين تهاجم قرى فلسطينيّة وترجم سيّارات فلسطينيّة بالحجارة. ومن الغريب للغاية أن أولئك المستوطنين لم يتعرّضوا لإطلاق النّار من الجيش، بالرّغم ممّا أمر به رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو…

إسرائيل ليست معنيّة بالتّهدئة

الحكومة الإسرائيليّة تدّعي أنّها تسعى لتسوية الأمور، لكنا نعي جيّدا (وخاصة أهل القدس الفلسطينيّون) أنها ليست معنية بذلك. لقد صرّح رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو يوم الأربعاء (16.9) أنّ الحكومة ستمنح قوّات "الأمن" الإسرائيليّة أوامر جديدة لإطلاق النّار الفوري على من يرمي الحجار، وأكّد أنّ هذه الأوامر ستسري ليس فقط في القدس والضّفّة الغربيّة بل أيضا في الجليل والنّقب. ومن الواضح أن في هذه الخطوة يستغلّ نتنياهو الوضع في القدس ليمهّد الطّريق لتشديد سياسة القمع ضدّ المقوامة الفلسطينيّة في الدّاخل أيضا، مثل الاحتجاجات على مخطّط برافر العنصري في النّقب. وأضافت وزيرة "العدل" أييليت شاكيد أنّها ستشدّد العقوبات على الأطفال الّذين يرجمون الحجار وعلى ذويهم، مثل منعهم الحصول على التّأمين الوطني.

لسنا بحاجة لتحليل سياسي عميق لنستنتج أنّ السّياسة الجديدة ستُطَبَّق فقط على السكّان الفلسطينيّين، فليس من المتوقّع أن تطلق الشّرطة الإسرائيليّة النّار على اليهود المتديّنين الّذين يرمون الحجارة على السّيّارات في يوم الغفران، أو حتى على المستوطنين الّذين يرمون الحجارة على الجنود الإسرائيليّين. إنّ الهدف الحقيقي من هذه الخطوات هو تنفيذ سياسة العقاب الجماعي لكافّة السّكّان الفلسطينيّين في البلاد لكي يخشوا أن يمارسوا أي نوع من الاحتجاج.

كما وإنّ لسنا بحاجة لتحليل عميق لنعرف أنّ الحكومة الإسرائيليّة تريد أن تقسّم المسجد الأقصى بين المسلمين واليهود ليس من باب المساواة في حقّ العبادة بل كخطوة جديدة في سياسة وضع الحقائق للتّواجد الإسرائيلي، وهي بالتّالي جزء من استراتيجيّة إسرائيليّة للاستيلاء التّام على شرقي القدس والقرى المجاورة لها كقسم من مخطّط طويل الأمد هدفه ربط جغرافي بين مستعمرات القدس وكتلة المستعمرات الدّاخلية حول مستوطنة "معاليه أدوميم"، وبالتّالي منع حتّى إمكانيّة تأسيس دولة فلسطينيّة مستقبليّة ذات استمراريّة جغرافيّة على أراضي عام 1967.

في ضوء كلّ هذا فإن تصريحات حكومة إسرائيل بأنّها معنيّة بالسّلام وانهاء الصّراع على أساس "حلّ الدّولتين" المبتذل ما هي إلّا استخفاف في عقول الجماهير الفلسطينيّة والإسرائيليّة سويّا.

الحلّ الاشتراكي للقضيّة الفلسطينيّة

في الوقت الحاضر الطّبقة الحاكمة الإسرائيليّة هي القوّة المهيمنة على جميع البلاد، وهي بالطّبع معنيّة بالحفاظ على مكانتها هذه. لذا نستنتج أنّ مصلحتها هي ليست بإنهاء الصّراع عن طريق إقامة دولة فلسطينيّة حقيقيّة مستقلّة ذات طبقة حاكمة تضاهيها، بل هي معنيّة بنظام دمية فلسطيني يخضع لها اقتصاديّا وينسّق معها أمنيّا، وهذا هو الدّور الّتي تلعبه السّلطة الفلسطينيّة منذ عقد اتّفاقيّة أوسلو.

وإنّ مصدر القوّة الميداني الّذي ترتكز عليه الطّبقة الحاكمة الإسرائيليّة هو الجمهور الإسرائيلي (اليهودي)، فبالتّالي لكي تحافظ على قوّتها هي بحاجة لأن يبقى هذا الجمهور مواليا لها. ولتضمن ذلك فهي تعمل دائما على تعزيز "نفسيّة المحاصر" أيّ الشّعور الدّائم بالتّهديد الأمني والخوف الوجودي عند العمّال الإسرائيليّين من العدو الفلسطينيالعربيالإسلامي الّذي "يريد أن يبيدهم"، ثمّ تعرض نفسها على أنّها القوّة الوحيدة الّتي تحميهم من شرّ هكذا التّهديد. الحكومة الإسرائيليّة تدري أنّها لا تحظى بدعم الطّبقة العاملة الإسرائيلية بما يتعلّق في المجال الاقتصادي-الاجتماعي، وخاصّة إثر الفروقات الاقتصادية الآخذة بالازدياد وغلاء المعيشة الخانق. فإنّ المجتمع الإسرائيلي، بالإضافة لكونه مجتمع مع ميزات استعماريّة، هو مجتمع رأسمالي فيه تناقض بين مصلحة الطّبقة الحاكمة البرجوازيّة وبين مصلحة الطّبقة العاملة، حيث تربح الأولى من ثمار عمل الأخيرة. وكلّما تأزّمت هذه التّضاربات الطّبقيّة تحتاج الطّبقة الحاكمة الإسرائيليّة أن تعزّز النّزاع القومي والشعور بالتّهديد الوجودي عند العمّال الإسرائيليّين لتبقيهم بالجانب المؤيّد لها وتمنعهم من القيام بعصيان مدني أو أعمال ثوريّة ضدّها.

من يدفع ثمن ذلك هم الفلسطينيّون الّذين يعانون من كافّة أنواع الاضطهاد والقمع العنصري. سواء كانت مجازر وحشيّة في غزّة أو التّشريد المستمر وبناء المستعمرات في القدس، والنظام العسكري في الضّفة، وإطعام الأسرى الإداريّين قسرا، إلى مشروع برافر التّطهيري في النّقب وتشريد سكّان يافا وعكّا، وحتّى التّطبيقات "الصّغيرة" مثل التّحريض الإعلامي وتقليص ميزانيّات المدارس الأهليّة — جميعها ناتجة عن سياسة عنصرّية واحدة.

إضافة إلى ذلك فإن معاناة معظم الفلسطينيّين تتضاعف في ظل حكم السلطة الفلسطينيّة أو حركة حماس. فقد أصبح أمرا جليّا أنّ السّلطة الفلسطينيّة بقيادة محمود عبّاس هي عبارة عن جسم متعاون مع الاحتلال والّذي يتكوّن من مجموعة قصريّة من رجال أعمال فلسطينيّين وساسة يتمتّعون بامتيازات كبيرة ولا صلة بينهم وبين معاناة الشّارع والعامل الفلسطيني اليوميّة. هذه الحقيقة دفعت الكثير من الشّباب الفلسطيني بالالتحاق بحركة حماس، حيث استعملت هذه الحركة خطابها القتالي لتظهر للجماهير الفلسطينيّة انّها القوة الوطنيّة الوحيدة الّتي تمثّل مقاومة فلسطينيّة حقيقيّة. لكن أيضا هي الأخيرة لا تقترح برنامج طويل الأمد للجماهير الفلسطينيّة تحت قيادتها، وتحويلها النّضال الفلسطيني إلى صراع ديني قد يكون له عواقب كارثيّة على النّضال. وعن حماس سنكتب بتوَسع في مقال منفصل.

إنّ "محاولات السّلام" الوحيدة حتّى الآن ما هي إلّا مسرحيّة من المفاوضات بين حكومة إسرائيل والسّلطة الفلسطينيّة — جسمين أحدهما ليس معنيّا بحلّ الصّراع والآخر غير قادر على ذلك وربّما أيضا ليس معنيّا. لا شكّ أنّ المسؤولة الأساسيّة لمعاناة الفلسطينيّين هي حكومة إسرائيل، لكن كلا الجسمين لا يمثّلان (بل يتعارضان) مع مصلحة عامّة الشّعبين، وهما مثال يبرز بشكل ممتاز الحقيقة العالميّة والتّاريخيّة أنّ الطّبقات الحاكمة البرجوازية (وأنظمة الدّمى الّتي تخدمها) -بجدول أعمالها الرّأسمالي واتّفاقيّات "السّلام" الّتي تبتكرها-لم تعطي ولا تستطيع أن تعطي جوابا حقيقيّا لمطالب الطّبقات العاملة المختلفة.

لذا النّظرة الاشتراكيّة للنّضال الفلسطيني تعتمد على التّحليل الطّبقي للمجتمع. هذا لا يعني نفي وجود صراع قومي فلسطيني ولا يعني أن التّحرير القومي يقلّ أهميّة عن التّحرير الطّبقي (فالاضطهاد الإسرائيلي يحلّ على جميع الطّبقات في المجتمع الفلسطيني)، بل أنّ أحدهم لن يتمّ من دون الآخر. الحلّ الجذري للصّراع، سواء كان مبنيّا على أساس دولة واحدة أو دولتين، يجب أن يعتمد على جدول عمل يساري-اشتراكي يناهض النّظام الإسرائيلي الرّأسمالي الوحشي، ولذا هناك حاجة ماسّة لإحياء اليسار الفلسطيني وبناء مقاومة شعبيّة واسعة في الميدان تُدار بشكل ديمقراطية من قبل لجان شعبيّة ومندوبين من الطّبقة العاملة، بالتّعاون مع اليسار-العمّالي اليهودي التّقدّمي، لإسقاط النّظام الإسرائيلي اليميني بطبعه وبناء مجتمع اشتراكي في جميع البلاد مع حقوق متساوية لجميع القوميّات والأديان وضمان حق العودة للاجئين الفلسطينيين، وبالتّعاون مع اليسار-الاشتراكي في المنطقة في سبيل بناء شرق أوسط اشتراكي ديمقراطي، مبني على التّعاون بين العمّال من القوميّات المختلفة بدل أن يكون مبنيّا على المنافسة الدّامية بين رؤوس الأموال والدّول.