English עברית RSS يوتيوب تويتر فيسبوك
X
النضالات الاجتماعية · العمل المنظم · اقتصاد · سياسة · احتلال وسلام · الشرق الأوسط · عالمية · طلاب · شباب · نساء · المثليين · صحة · بيئة · النظرية والتاريخ · الحركة
X
 


بيان
اليسار الماركسي والصراع القومي والنضال الفلسطيني
حاجة إلى نهج طبقي وبديل اشتراكي

طباعة
تصوير: ActiveStills

تشارك حركة النضال الاشتراكي في النضالات من أجل إنهاء الاحتلال واضطهاد الفلسطينيين ومن أجل سلام عادل يقوم على المساواة الكاملة بين الشعبين، بما في ذلك المساواة في حق الوجود وتقرير المصير والأمن الشخصي والحياة الكريمة. والنقاط الواردة في هذه الورقة بشأن المسألة الوطنية والنضال الفلسطيني نوقشت وتم الاتفاق عليها في اللجنة القطرية لحركة النضال الاشتراكي في 2 نيسان عام 2016 في إطار النقاش حول بعض المسائل المركزية المرتبطة التي يواجهها اليسار في هذه المرحلة. ونخطط لإصدار ورقة موسعة بهذا الشأن لاحقا.

يؤدي التصعيد المستمر للنزاع الفلسطيني الإسرائيلي إلى زيادة الاستقطاب القومي في هذه المرحلة وتزداد الاتجاهات المدمرة للرجعية القومية في المجتمع الإسرائيلي. وفواجع الحرب على غزة في 2014 وفوز حزب "ليكود" في انتخابات عام 2015 والهجمات الوحشية المستمرة للنظام الإسرائيلي على الفلسطينيين التي لا يمكن اعتبارها شيئا إلا إرهاب الدولة، والهجمات على الحريات الديمقراطية وزيادة الملاحقة السياسية لأعضاء الكنسيت من العرب والنشطاء المناهضين للاحتلال من اليهود كل ذلك ساهم في تعزيز الشعور بالتشاؤم، وقبل كل شيء لدى الجماهير الفلسطينية، بمن فيهم العرب في إسرائيل والفئات الأكثر ميلا لليسار في المجتمع اليهودي واليسار للشعبين نفسه. وفي الواقع اليسار الإسرائيلي يمر حاليا في مرحلة حرجة، ويمكن أن نرى ذلك على سبيل المثال في سياسة قيادة "الجبهة" والحزب الشيوعي في هذه الأيام.

ولا تجري العملية في فراغ. وتمثلت اتجاهات ثورة مضادة في المنطقة في السنوات الأخيرة بين أمور أخرى في تقوية معينة لنظام نتنياهو، بينما أصبح اليأس والخوف على الأمن وكذلك عمليات الإرهاب الشخصي الرجعية ضد إسرائيليين أساسا للرجعية الصهيونية القومية. وأظهر أحد استطلاعات الرأي العام الذي أجري في النصف الأول من عام 2015 أن 48٪ من اليهود اعتبروا فكرة ترحيل العرب من إسرائيل إيجابية. ويضاف هذا الرقم إلى غيره من خصائص القومية المتشددة لشريحة واسعة من المجتمع الإسرائيلي. وفي ذات الوقت فإن الرجعية لها حدود، وهناك على سبيل المثال 46٪ من اليهود، أو 58٪ من اليهود العلمانيين، الذين أعربوا عن معارضتهم لهذه الفكرة. وأشار استطلاع أجراه "مؤشر السلام" في كانون الثاني إلى استقطاب المجتمع اليهودي وانقسامه مناصفة بين 45٪ الذين يؤيدون ضم أراضي 67 إلى إسرائيل و45٪ الذين يعارضون ذلك.

وهناك انخفاض كبير لم تشهدها المنطقة خلال سنوات عدة لدعم شعار "الدولتين" بين الجماهير الفلسطينية، خاصة في أراضي 67. وتشير استطلاعات للرأي العام تجريها منظمات فلسطينية باستمرار إلى فقدان الثقة بإمكانية حل النزاع والتحرر من الاضطهاد. وتعبر هذه المشاعر عن الاستياء العميق من الوعود المزيفة بـ"دولة قادمة"، التي أدت إلى تفاقم القمع والقتل الجماعي وتسريع الاستيطان في القدس الشرقية والضفة الغربية. علاوة على ذلك فإن نظام نتنياهو يؤكد بوضوح أنه يواصل معارضته الشديدة لإقامة دولة فلسطينية.

ومع ذلك فإن فكرة إقامة دولة فلسطينية إسرائيلية موحدة تبقى مرفوضة حتى من قبل أغلبية أكبر من الفلسطينيين، لأنها في واقع الأمر تعني التخلي عن طلب إقامة دولة قومية فلسطينية (كما تشير مختلف الاستطلاعات باستمرار، بما فيها استطلاع أجرته مؤسسة JMCC في بداية آذار). رغم أن هناك مشاعر بالتعاطف مع البرنامج القديم لمنظمة التحرير الفلسطينية الذي دعا إلى إقامة دولة قومية عربية فلسطينية على كافة أراضي غربي الأردن، فإن هذا البرنامج لا يعتبر واقعيا، وما هذه المشاعر إلا أن تكون انعكاسا للاشمئزاز من تاريخ القمع المصاحب لسنوات وجود الدولة الإسرائيلية منذ النكبة. وإن مثل هذا البرنامج هو في الحقيقة وهم وطني بورجوازي. ولا تملك منظمة التحرير أو فتح أو حماس أي طريق يمكن لها طرحه من أجل "احتلال" إسرائيل التي تعتبر اليوم القوة العسكرية الكبرى في المنطقة، وبالتالي تسعى كلا القيادتين المواليتين للرأسمالية في نهاية المطاف إلى الاعتماد على تحالفات مع القوى الإمبريالية للضغط على إسرائيل من أجل تقديم بعض التنازلات.

الاستقطاب القومي

وردا على هجمات الدولة والرجعية القومية المتشددة في المجتمع اليهودي تعزز توجه العزلة القومية بين الفلسطينيين في إسرائيل. وهناك شريحة من الشباب امتلكت توجهات متشددة وتميل الآن إلى التشكيك العميق والسخرية ليس فقط بالنسبة لفكرة "الدولتين" بل وكذلك شعارات "السلام" و"التعايش" للشعبين و"النضال المشترك" والحركات الاجتماعية التي تتطور في أوساط العمال والشباب في المجتمع اليهودي الإسرائيلي. ولا تثق تلك الشريحة بقدرة النضال المشترك للعمال والشباب للشعبين من أجل تحسين ظروف المعيشة وضد التمييز والاستغلال والاضطهاد، وينظر إلى ذلك كثيرا ما باعتباره التخلي عن أي نضال جاد من أجل التحرر الوطني والمحاولة العقيمة لمواجهة خرافات المجتمع اليهودي وشوفينيته.

وتعزيز هذه التوجهات من حين إلى آخر والتي يعكس أحيانا ترشيد اليأس السياسي، ليس مفاجئا، إذا أخذنا في الاعتبار نفاق خطاب النظام الإسرائيلي وضعف اليسار في المجتمع الإسرائيلي وتجربة العقود الأخيرة وخاصة تجربة اتفاقيات أوسلو التي تم الترويج لها تحت شعارات مزيفة حول السلام، لكن التي ضمنت استمرار الاضطهاد القومي بأشكال وحشية أخرى. ويجب أن نضيف إلى ذلك الشوفينية القومية الخطرة التي ظهرت كذلك في الدعم الفاحش للهجمات القوية ضد الفلسطينيين، وهي التي يتميز بها قادة الاتحاد العام للنقابات الهيستدروت وكذلك حزبي العمل وميرتس — وهي الأطراف الإسرائيلية الأساسية التي تعتبر في المرحلة الحالية ممثلة للجناح اليساري للسياسة الإسرائيلية — فضلا عن المواقف الشوفينية الخفية لحركات ليبرالية مثل حركة "السلام الآن" التي تنشر شعارات حول السلام لكن لا تعارض بحزم وإصرار اضطهاد الفلسطينيين.

ولا يوجد أمام هذه الشريحة من الشباب الفلسطيني الذي يدفع للنضال أي بديل اشتراكي يساري واضح للبرامج الامبريالية الخادعة.

ولا يوجد أمام هذه الشريحة من الشباب الفلسطيني الذي يدفع للنضال أي بديل اشتراكي يساري واضح للبرامج الامبريالية الخادعة. والحركات اليسارية وقبل كل شيء الحزب الشيوعي و"الجبهة"، والتي ساعدت على نشر الأوهام في اتفاقيات أوسلو وغيرها من الخطط المماثلة والتي لم تصحح مواقفها حتى الآن، تحمل جزءا من المسؤولية عن ذلك.

وانتشرت هناك مؤخرا ظاهرة تصوير اليهود والعرب معا تحت شعار "اليهود والعرب يرفضون أن يكونوا أعداء" وكذلك مظاهرات مشتركة تحت هذا الشعار احتجاجا على تصعيد العنف القومي. وإن كانت هذه الظاهرة محدودة فإنه من الخطأ أيضا التقليل من أهميتها، خاصة إذا كانت مرتبطة بزمالة العرب واليهود في العمل. وهذا رد صريح وشجاع يساعد على تقويض الرجعية القومية وتعزيز التضامن الطبقي. ومع ذلك فإن شعارات هشة حول "التعايش" و"شراكة اليهود والعرب" على خلفية الانقسام القومي العميق والاضطهاد الحاد للمجتمع العربي الفلسطيني في الواقع لا يمكن أن تكون كافية بل وتعتبر أحيانا كلاما فارغا للمنافقين. ويتطلب النضال السياسي المشترك الحقيقي للعمال والشباب من الشعبين قبل كل شيء وضع برنامج لإزالة كل أشكال التمييز واضطهاد الفلسطينيين وبشكل عام.

وتطوير مثل هذا النضال الواسع هو أحد المهمات البارزة لليسار الاشتراكي للشعبين. وتعارض منظمتنا بالكامل القمع السياسي والملاحقة العنيفة للفلسطينيين في إسرائيل، بغض النظر عن الخلافات السياسية مع حركات أخرى بما فيها اليمين الفلسطيني. وعارضنا بوضوح تجريم الحركة الإسلامية الشمالية، وذلك خطوة خطرة تتسم بالنفاق وتهدف إلى مساعدة النظام الإسرائيلي في استعمال المجتمع العربي والمسلم في إسرائيل ككبش فداء وإلى تجريم النضال السياسي في أوساط هذا المجتمع وتسهيل الخطوات من أجل قمعه وكذلك إلى توجيه رسالة تهديد إلى غيرها من الحركات السياسية المناهضة للنظام من الحركات الفلسطينية قبل كل شيء لكن ليس فقط الفلسطينية. والتشريع المطروح حاليا حول تعليق عضوية نواب في الكنيست يطبق ذات المنطق.

"فرق تسد" في المجتمع الفلسطيني

ويسمح نقص في الحركات الاجتماعية العامة للعمال والشباب في إسرائيل منذ عام 2011 للتصورات الانعزالية "لسياسة الهوية" بتعزيز مواقفها بين الجماعات المضطهدة في المجتمع. وعلى هذه الخلفية يرى العديد من النشطاء أن النضال السياسي ضد الاضطهاد القومي للفلسطينيين يتطلب تبني استراتيجية قائمة على "الوحدة الوطنية" العابرة للطبقات الاجتماعية والمواقف السياسية. وذلك أيضا رد على إجراءات الاضطهاد وسياسة "فرق تسد" التي يستعملها النظام الإسرائيلي لتمزيق نسيج الجماهير الفلسطينية على أساس جغرافي وديني وعرقي — بما في ذلك من خلال تغذية النزعة العسكرية الإسرائيلية بتشجيع التجنيد العسكري للمواطنين العرب في إسرائيل — وهكذا يلحق في الحقيقة ضررا بالقدرة على بناء نضال فعال وواسع ضد الاضطهاد. ورفض تحريض الصراع الديني والعرقي هو بالتأكيد أمر صحيح وكذلك فهم الحاجة إلى بناء حركة قوية وواسعة.

ومع ذلك فإن تخفيف الخلافات بين القوى اليمينية واليسارية في المجتمع الفلسطيني في أراضي 67 وداخل الخط الأخضر وكذلك بين النخب المحلية والعمال والفلاحين والشباب سيقيد بشكل كبير القدرة على بناء نضال ناجح يسمح بتحقيق تطلعات الجماهير لتجاوز محنها. وجنين الدولة الرأسمالية البوليسية الذي يتمثل في السلطة الفلسطينية بقيادة فتح وحركة التحرير وما يوازيها من نسختها الإسلامية بقيادة حماس في قطاع غزة هما إشارة تحذير من الاتجاه الذي يمكن أن يقود إليه زعماء اليمين الموالي للرأسمالية. وخاصة داخل الخط الأخضر يخدم تخفيف الخلافات السياسية في أوساط الأقلية الفلسطينية العربية تحت شعار الوحدة الوطنية حتما لصالح الحكم اليميني الإسرائيلي المعني بعزل هذا المجتمع من أجل تسهيل سياسية الاضطهاد.

واليسار هو المطالب بتقديم تنازلات كبيرة في إطار هذا الائتلاف. وصورة "الجبهة" على المستوى الوطني باعتباره القوة اليسارية الأبرز على مستوى الدولة تدهور.

وقبل انتخابات 2015 لم يصر "الجبهة" للأسف على طرح بديل يساري واضح على المستوى القطري بل واستسلم لضغوط وتحالف بشكل غير مبدئي في الواقع مع "القائمة المشتركة" في إطار ائتلاف قوى يسارية ويمينية للمجتمع الفلسطيني، بما في ذلك قوى محافظة موالية للرأسمالية (أنظر في بيان أصدرناه بهذا الشأن: "انتخابات 2015 واليسار"، شباط 2015). واليسار هو المطالب بتقديم تنازلات كبيرة في إطار هذا الائتلاف. وصورة "الجبهة" على المستوى الوطني باعتباره القوة اليسارية الأبرز على مستوى الدولة تدهور، والائتلاف لم يكن "تقنيا"، كما اعترف بعض أعضاء "الجبهة". وكان هناك خيار واقعي تماما تمثل في المشاركة كقائمة يسارية مستقلة. وكما حذرنا سابقا فإن القائمة المشتركة رغم كل الحديث عن تطور "تاريخي" لم تقم حتى الآن بتنظيم أي نضالات تذكر ولم تتمكن من تحقيق أي إنجاز كبير، وبقيت "محايدة" في الساحة البرلمانية، وبالتالي أثارت خيبة أمل جزء من أنصارها الذين علقوا آمالهم عليها.

والفئات الواسعة من العرب ومعظمهم يعيشون تحت خط الفقر ويتعرضون لهجمات يومية على أساس خلفيتهم العرقية، معنيون حتما بإيجاد حلول عملية للمشاكل الملحة وهي الفقر والتمييز القومي (الذي في الحقيقة يزيد من الفقر وغيره من المحن). إلا أن القوى السياسية من القائمة لا تتمكن من رسم آفاق لنضال فعال من أجل التغيير — ولا تتمكن من تطوير تهديد حقيقي ضد اليمين الإسرائيلي وحكم نتنياهو والاضطهاد القومي والرأسمالية الإسرائيلية.

ونقاط الضعف في البرنامج السياسي، بما في ذلك نظرا إلى التغيير الاشتراكي للمجتمع، وعدم الاعتماد على نضالات الطبقة العاملة والجماهير هي الأسباب الأصلية للنهج الضيق لـ"الجبهة" الذي يتمثل في العمل البرلماني والحملات الانتخابية، وذلك بطريقة منفصلة تقريبا عن بناء أي نضال خارج البرلمان، وهذا النهج ينعكس أيضا على تشكيل ائتلافات سياسية غير مبدئية.

وهناك في الحزب الشيوعي من يمكنه أن يقول إن نهجهم "عملي" لتغيير الواقع في ظروف معقدة. وبالطبع يجب على أي منظمة سياسية جادة دراسة المطالب والتكتيك وتعديلها إذا اقتضت الضرورة ذلك. إلا أن للماركسيين يجب أن يجرى ذلك على أساس نهج مبدئي وطبقي. للأسف، لم يكن نهج قيادة الحزب الشيوعي من هذا النوع، وهي كانت تميل لتبني نهج إصلاحي يضعف اليسار لأنه يغذي الأوهام في إيجاد حلول في إطار المجتمع الرأسمالي ويبقي الشرائح الواسعة في حالة سلبية نسبيا ويعني التخلي عن بناء نضال سياسي يعتمد على الطبقة العاملة في المجتمع. ويدفع هذا المنطق الحزب الشيوعي و"الجبهة" إلى جانب الإمبريالية الروسية ونظام الأسد وحزب الله في الحرب الأهلية في سوريا لكون الأخيرة "قوى متقدمة" وفقا للتقليد الستاليني المائل إلى جانب القوى المتنازعة مع القوى الإمبريالية الغربية.

ومن جهة أخرى، إذا كانت القوى اليسارية في "الجبهة" قد تبنت نهجا طبقيا وبرنامجا اشتراكيا بشكل حازم فإنه كان من الممكن أن تستخدم ثقلها النسبي على المستوى القومي بفعالية أكبر من أجل تحدي القوى اليمينية في كلا المجتمعين اليهودي الإسرائيلي والعربي الفلسطيني.

الربط بنضال من أجل تغيير اشتراكي

وتلتزم منظمتنا على المستوى القطري بالكامل بتطوير التضامن الدولي مع نضال الجماهير الفلسطينية من أجل التحرير من الاضطهاد، كما تلتزم بالمساهمة في النقاش حول طريق يمكن من خلاله تحقيق النصر في هذا النضال.

وعموما هل سيكون من الخطأ اليوم طرح برنامج قائم على بناء "دولتين" لحل الصراع، خاصة على خلفية المزاج السائد اليوم وتكثيف التدابير القمعية ضد الفلسطينيين بشكل متغطرس؟

وفي إطار الشرق الأوسط الرأسمالي فإن معنى ذلك في الحقيقة يتمثل في تأسيس دولة "دمية" مستعمرة جديدة، وليس دولة مستقلة حقيقية. والمشاكل الأساسية للجماهير الفلسطينية لن تحل نتيجة ذلك، والصراع الدموي سيستمر.

وعلاوة على ذلك، فإن فكرة دولة موحدة للشعبين وهمية تماما في إطار الرأسمالية — والغالبية الساحقة للشعبين لا ترغب في التخلي عن الاستقلال والمشاركة في إطار دولة واحدة، وحتى لو أسست مثل هذه الدولة بالإكراه بشكل أو بآخر فإنها ستكون قائمة على عدم المساواة والانقسام القومي العميق.

في هذه المرحلة تطوير برنامج يطرح حلا قائما على تأسيس دولة موحدة للشعبين، حتى ولو كانت دولة اشتراكية، ليس قادرا على تقديم إجابة أساسية عن المخاوف والشكوك والرغبة الشديدة في الاستقلال الوطني من قبل كلا الشعبين.

ويؤكد هذا الواقع أن الحل القائم على دولتين قوميتين — إن كان ذلك في سياق اشتراكي — لا يزال ضروريا، حتى لو كان شعار "دولتين" في حد ذاته يثير المزيد من الشكوك الآن. وفي هذه المرحلة تطوير برنامج يطرح حلا قائما على تأسيس دولة موحدة للشعبين، حتى ولو كانت دولة اشتراكية، ليس قادرا على تقديم إجابة أساسية عن المخاوف والشكوك والرغبة الشديدة في الاستقلال الوطني من قبل كلا الشعبين. ومع ذلك فإن دور اليسار الماركسي يتمثل أيضا في أن يفسر أن الطبقة العاملة والجماهير للشعبين لها مصلحة في نهاية المطاف في نضال موحد وفقا لبرنامج تغيير اشتراكي.

وعلى الرغم أنه يمكن في إطار الرأسمالية تحقيق إنجازات كبيرة في نضالات مهمة، فإن تحقيق المساواة في ظروف المعيشة للفلسطينيين والإسرائيليين ورفع المستوى المعيشي عموما أعلى بكثير من أفضل الظروف التي يمكن توفيرها في ظل الرأسمالية وتأمين المساواة الكاملة في الحقوق في جميع المجالات — سيكون كل ذلك ممكنا فقط على أساس اشتراكي. وعلى هذا الأساس فقط يمكن ضمان أن تخدم كافة الموارد في المجتمع لصالح ازدهار الجماهير بشكل ديمقراطي ورشيد، وكذلك ضمان استثمار الموارد المطلوبة اللاجئين الفلسطينيين — ويتطلب حل عادل للاجئين نضالا من أجل توفير الرفاهية والمساواة في المنطقة وتطوير الحوار المباشر والتوافق، بما في ذلك الاعتراف بالظلم التاريخي وحقهم في العودة. وفي هذه الظروف فإن الحد من الكراهية والانقسام قد يسمح بخلق أرضية لقيام دولة اشتراكية مشتركة.

نهج طبقي للمجتمع الإسرائيلي

ويتبنى جزء من اليسار الدولي في الحقيقة موقفا قوميا ضيقا بشأن القضية ويقترح تجاهل مخاوف ملايين اليهود الإسرائيليين ورغبتهم في تقرير المصير، ولا يقدم أي طريق واقعي إلى الحل. وكارثة الاحتلال ومصادرة الممتلكات واضطهاد الفلسطينيين من قبل الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل لا تلغي استغلال جماهير اللاجئين اليهود من أوروبا والدول العربية والإسلامية بسخرية من قبل القوى العالمية والنخبة الصهيونية. والوصف السطحي لكل اليهود الإسرائيليين بأنهم مستوطنون يتجاهل أن معظمهم قد ولدوا في البلاد وليس لهم انتماء إلى أي بلد آخر.

وأخذا في الاعتبار تاريخ محرقة اليهود واضطهاد اليهود والتهديدات المعادية للسامية من قبل القوى العربية والإسلامية الرجعية في الشرق الأوسط، فإن برنامجا يقترح للإسرائيليين مجرد التخلي عن الاستقلال الوطني سينظر إليه باعتباره خطة "إبادة" وسيدفع الطبقة العاملة الإسرائيلية أكثر إلى أيدي اليمين الإسرائيلي وإلى "حرب بقاء" بأي وسيلة، بما في ذلك باستخدام أسلحة نووية. علاوة على ذلك، فإنه حتى في حال تحقق سيناريو دموي افتراضي تهزم فيه إسرائيل عسكريا من قبل قوة خارجية، سيصبح ملايين اليهود الإسرائيليين أقلية قومية مضطهدة وسيستمر النزاع بشكل كارثي جديد.

ومن الصحيح أن الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل نفذتا وتنفذان حتى هذا اليوم السياسة الاستعمارية الساعية إلى نهب السكان العرب الفلسطينيين لصالح اليهود الإسرائيليين. وتشمل هذه السياسة ليس فقط تاريخ اقتلاع الشعب الفلسطيني والنشاط الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس الشرقية، بل وكذلك خطط الدولة لتهويد الأراضي داخل الخط الأخضر، خاصة الجليل والنقب.

وتعتبر الطبقة الإسرائيلية الحاكمة الجماهير الفلسطينية المنهوبة خطرا على وجودها ومستقبل حكمها. ويطمح النظام الإسرائيلي الرأسمالي الذي لا يزال في نزاع مع الفلسطينيين والسكان العرب والمسلمين في المنطقة، إلى الاعتماد في وجوده على حشد دعم يهود إسرائيل ومن خلال التعاون مع القوى الرأسمالية الإمبريالية، خاصة الولايات المتحدة، وكذلك النظم المستبدة التي ترغب في التعاون التجاري معها. وليس من قبيل المصادفة أنه دعم الحروب الإمبريالية في المنطقة وحتى حشد الموارد لها، وساعد الملكية الأردنية على قمع انتفاضة "أيلول الأسود"، وكان النظام الإسرائيلي أحد الشركاء الأخيرين لنظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا، وساعد على مدى العقود على تسليح أنظمة استبدادية في العالم وتدريب قواتها، بما في ذلك الديكتاتورية العسكرية السابقة في تشيلي والميليشيات التي ارتكبت الإبادة الجماعية في رواندا، وحتى اقترح رمزيا منح اللجوء السياسي للديكتاتور المصري حسنى مبارك.

وعلى هذا الأساس هناك تيارات يسارية تعارض حق إسرائيل في الوجود. واليسار الماركسي بالطلع يعارض كل الأنظمة القمعية في المنطقة والعالم، إلا أنه على هذا الأساس يمكن لأحد أن يعارض كذلك وجود الولايات المتحدة وألمانيا وبريطانيا وفرنسا وهي القوى الإمبريالية التي ارتكبت أكبر جرائم في التاريخ.

وهناك من يدعي بأنه يجب معارضة حق إسرائيل في الوجود على وجه التحديد لأنها دولة قومية مصطنعة أسست بإشراف من القوى الرأسمالية من أجل خدمة مصالحها الإمبريالية في الشرق الأسط ولأنها أسست من خلال نهب الجماهير الفلسطينية. إلا أن عموما حدود الدول في الشرق الأوسط، التي تتعرض للتهديد حاليا بسبب الحرب الأهلية في سوريا والعراق، تم ترسيمها إلى حد بعيد من قبل القوى الإمبريالية من خلال اتفاقية سايكس بيكو الموقعة بشكل سري قبل 100 عام وكذلك سلسلة اتفاقيات إمبريالية أخرى.

يجب أن نأخذ في الاعتبار أن قائمة طويلة من الدول أسست بشكل مأساوي نتيجة الاحتلال واقتلاع السكان بشكل جماعي والنهب الاستعماري والسياسة القومية الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية لصالح الجماعة القومية الحاكمة.

وفكرة تأسيس دول قومية من قبل القوى الإمبريالية كأمر واقع أو من خلال رعايتها لصالح هذه القوى يمكن أيضا استخدامها لمعارضة وجود عدد من الدول الأخرى في العالم، بما في ذلك في الاتحاد السوفيتي السابق والبلقان ومنطقة البلطيق وباكستان وتايوان على سبيل المثال. فضلا عن ذلك، على الرغم من أن تأسيس دولة إسرائيل كان له خصائص فريدة وعلى الرغم من أن اليسار الماركسي حذر من الانعكاسات المدمرة المحتملة لخطة التقسيم وعارض ذلك، يجب أن نأخذ في الاعتبار أن قائمة طويلة من الدول أسست بشكل مأساوي نتيجة الاحتلال واقتلاع السكان بشكل جماعي والنهب الاستعماري والسياسة القومية الرامية إلى تغيير التركيبة السكانية لصالح الجماعة القومية الحاكمة.

ومع ذلك هناك سؤال مهم أيضا يتعلق بالولايات المتحدة على سبيل المثال حول كيفية الانتقال من واقع القمع والنهب إلى حل للمشاكل الأساسية وتأسيس مجتمع ديمقراطي جديد يقوم على المساواة. ولا يمكن لليسار الماركسي أن يكتفي بالإشارة إلى الطابع الرجعي للنظم وتاريخها الدموي، وينبغي أن يظهر كيف تقوم الأمم الرأسمالية والإمبريالية على تناقضات وكيف يمكن تقسيمها على أساس طبقي وكيف يمكن التغلب على مصائب العهد الرأسمالي والإمبريالي في هذا الطريق. وهكذا، فإن دولة إسرائيل ليست فقط دولة استعمارية واستيطانية يحكمها شعب واحد من خلال نهب الآخر، بل إنها أيضا دولة رأسمالية تخدم الاستغلال الطبقي والقمع في مجتمع طبقي يعاني من أزمات.

وتميل أجزاء من اليسار الدولي إلى تبني موقف قومي متشدد تجاه ملايين اليهود الإسرائيليين باعتبارهم كتلة رجعية واحدة ومجتمع مستوطنين، معتبرين أن التناقض الأساسي في هذا المجتمع ليس طبقيا بل قوميا، وأن الجماهير في هذا المجتمع ليست في الحقيقة معنية بوقف اضطهاد الفلسطينيين وبالتحرر الاجتماعي وبالتغيير الاشتراكي. وذلك هو على الأقل تجريد مفرط. وهذا الموقف في الحقيقة يزيد الغموض بدلا من توضيح وضع القوى الرجعية في المجتمع، كما يفعل أي نهج قومي يلوم الجماهير بصورة تجريدية عن الجرائم لـ"أنظمتها وطبقتها" الحاكمة.

ومثل هذا الموقف في الحقيقة يخفف مسؤولية الجنرالات وكبار رجال الأعمال والأحزاب القومية المتشددة عن جرائمهم. كما يؤدي هذا النهج إلى زيادة الغموض في مسألة التفريق بين المستوطنين المتشددين والقوميين الذين يشاركون بنشاط في مصادرة ممتلكات العائلات الفلسطينية بشكل همجي داخل الخط الأخضر وملايين العمال المستغلين والفقراء نسبيا الذين يعانون من الرأسمالية الإسرائيلية والصراع القومي المستمر. وذلك هو النهج الذي يصور المجتمع الإسرائيلي بطريقة غير جدلية كمجتمع خال من تناقضات داخلية.

وعلى الرغم من أن الحقد القومي عادة هو من أبرز ما يعرقل تطور الصراع الطبقي من جانب العمال، فإن الحقد الطبقي مع ذلك هو التناقض الداخلي الأساسي الذي يهدد "الوحدة الوطنية" ويمثل فرصة لتخطي المجتمع الإسرائيلي الرأسمالي وبناء مجتمع جديد. وموضوعيا وبصرف النظر عن حالة المزاج والتصورات الرجعية المنتشرة في المرحلة الراهنة فإن الطبقة العاملة الإسرائيلية تلعب دورا محوريا في النضال ضد الرأسمالية الإسرائيلية ومن أجل التغيير الاشتراكي للمجتمع.

من يستفيد من الاحتلال؟

والادعاء بأن الطبقة العاملة اليهودية الإسرائيلية تستفيد تحديدا من الاحتلال واضطهاد الفلسطينيين مشابه للادعاء بأن الطبقة العاملة في أي دولة مسؤولة عن الاستغلال الإمبريالي والحروب الإمبريالية، "مستفيدة".

ونجحت الطبقة العاملة في الدول الرأسمالية المتقدمة في نهاية المطاف في طريق النضال في تحقيق إنجازات في مواجهة الطبقات الحاكمة وتحسين ظروف المعيشة مقارنة بظروف الجماهير في عالم المستعمرات الجديدة. إلا أنه من الخطأ تفسير الفجوات بين الدول في ظروف المعيشة أو انتشار التصورات السياسية اليمينية اليوم بأنها تعبير عن مصالح مشتركة للطبقات، والعكس فإن سياسات التقشف الوحشية المطبقة مرارا وتكرارا ضد العمال عموما، سواء في أوروبا أو الولايات المتحدة أو إسرائيل، والتي تزيد من المصائب الاقتصادية الاجتماعية الموجودة، تؤكد أن حتى تلك الإنجازات النسبية في إطار النظام الرأسمالي محدودة إلى حد كبير وليست مضمونة — وقد أظهرت الأزمة الاقتصادية العالمية في السنوات الأخيرة بقوة من جديد تناقضات في المصالح الطبقية، في الوقت الذي تحاول الطبقة الحاكمة تحميل العبء الأساسي على عاتق الجماهير.

وبالتأكيد هناك بعض الفئات في الطبقة العاملة الإسرائيلية، وعلى سبيل المثال في المستوطنات الكبيرة، تتلقى "رشاوى" من أجل دعم قطاع الأعمال في المستوطنات سياسيا، بما في ذلك من خلال فوائد مباشرة وغير مباشرة. إلا أن إجراء تحليل أوسع لمصالح الطبقة العاملة لا تشير إلى أي مصلحة اقتصادية ملموسة لها أو أي "فائدة سياسية" حقيقية. ويستفيد رأسماليون إسرائيليون من المناطق الصناعية في المستوطنات وعموما من الاستغلال الشديد للعمالة الفلسطينية الرخيصة (رغم أن ذلك حصة ضئيلة من الفوائد الإجمالية للطبقة الرأسمالية الإسرائيلية، بينما تتمثل السياسة الأساسية للصهيونية والرأسمالية الإسرائيلية بالنسبة للفلسطينيين في الاقتلاع والنهب بهدف تعزيز القاعدة الاجتماعية للنظام). والجديرة بالذكر أن الرأسماليين أيضا نادرا يتعرضون لمواجهات على أساس قومي في الشوارع وأماكن العمل ولأخطار أمنية نتيجة الصراع.

والطبقة العاملة في المجتمع اليهودي الإسرائيلي — والعمال من يهود الشرق أو من أصل إثيوبي أو العمال من الاتحاد السوفيتي السابق، لكن كذلك العمال من اليهود الاشكناز — لا يعانون في الحقيقة من ذات مستوى الاضطهاد والفقر الذي يعاني منه الفلسطينيون. إلا أنهم يعانون بشكل جماعي من سياسة "فرق تسد" على أساس قومي في المنافسة في إطار "سباق نحو القاع" ضد العمالة الرخيصة وقبل كل شيء يعانون من عواقب سياسية وأمنية نتيجة الصراع المستمر. وعموما فإن هناك فئات واسعة نسبيا حتى تميل إلى حد ما إلى تبني موقف متحفظ من المستوطنات والابتعاد عن قطاع الأعمال في المستوطنات.

وتعتمد الفئات الرجعية العنصرية في أوساط الطبقة العاملة اليهودية بالأساس على الأغلب على المخاوف الأمنية والمخاوف على الوجود وليس على مصلحة اقتصادية (أكثر من أي مشكلة أخرى، بما في ذلك التمييز العرقي التاريخي ليهود الشرق والذي يستغله "ليكود" و"شاس" بسخرية). وهذا يعني أن هؤلاء العمال مقيدون بالطبقة الحاكمة على أساس تفسير مزور للسياسة القادرة على الاستجابة للمصالح الأمنية — وكما ذكرنا فإلى جانب الطبقة الإسرائيلية الحاكمة تسهم قوى رجعية أخرى في الشرق الأوسط بقسطها في هذه النتيجة.

وهناك آليات ايديولوجية قوية تسمح للصهيونية بحشد الدعم حتى من قبل مجموعات من المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، خاصة من قبل عمال وفقراء دروز وبدو منهم، لكن ذلك لا يعني أن هذه الآليات تقوم على مصلحة أساسية لهذه المجموعات.

وهناك آليات ايديولوجية قوية تسمح للصهيونية بحشد الدعم حتى من قبل مجموعات من المجتمع العربي الفلسطيني في إسرائيل، خاصة من قبل عمال وفقراء دروز وبدو منهم، لكن ذلك لا يعني أن هذه الآليات تقوم على مصلحة أساسية لهذه المجموعات. وينبغي على اليسار الماركسي أن يسلط الضوء على أن المصلحة الأساسية للطبقة العاملة لجانبي الانقسام القومي تتمثل حتما في نضال موحد ضد جرائم الطبقة الحاكمة الإسرائيلية.

ولا يوجد توازن في الصراع الفلسطيني الإسرائيلي بالطبع بين قومية قمعية وناهبة وأخرى مظلومة ومنهوبة، ويتسم هذا الصراع بطابع قومي استعماري. إلا أن اليسار الماركسي لا يمكن أن يسير على خط موقف قومي سطحي من المجتمع الإسرائيلي. وعلى عكس أفكار "تطبيع" الاحتلال وقمع الفلسطينيين، بما في ذلك العلاقات الاقتصادية والعسكرية بين السلطة الفلسطينية وحكومة نتنياهو، يجب على اليسار الماركسي تفعيل النضال ضد الاضطهاد القومي، وكذلك تحريك الحوار والنضالات المشتركة خاصة للعمال للجانبين، مما سيسمح بتوضيح المصالح الواسعة المشتركة في نضال ضد الرأسمالية الإسرائيلية ومن أجل بناء مجتمع جديد خال من أي تمييز قومي.

وفي الوقت الذي يمكن للمواقف الرامية إلى تحميل "مسؤولية جماعية"، ومثلا تنظيم حملات مقاطعة شاملة للإسرائيليين، أن تعطي انطباعا بأن النضال هو ضد الإسرائيليين عموما، وبالتالي ستخدم مصالح اليمين الإسرائيلي، فإن الموقف الطبقي من المجتمع الإسرائيلي وكذلك مبادرات خاصة بمقاطعة واحتجاج أكثر تركيزا وانتقائية يمكن أن تمثل خطرا أكبر بكثير على اليمين الإسرائيلي.

وفي ذروة النضال ضد نظام الفصل العنصري في جنوب إفريقيا دعا اليسار الماركسي إلى بناء منظمات عمالية مستقلة في جنوب إفريقيا نفسها (وهو الموقف الذي لم تطرحه في ذلك الوقت قيادة المؤتمر الوطني الإفريقي في المنفى) وأوضح أنه من المهم لتلك المنظمات التوجه إلى العمال البيض وإشراكهم فيها — وعلى الرغم أن هؤلاء كانوا أقلية ضئيلة تنتشر في أوساطها أيضا خرافات عنصرية. وتم ذلك بهدف المساعدة على شق وتقويض القاعدة الاجتماعية للرجعية من خلال جذب عمال بيض إلى جانب النضال وتحييد المعارضة للنضال من قبل فئات أخرى، وذلك بطريقة دمرت في الحقيقة القاعدة لحرب عرقية أهلية. وتبنى المؤتمر الوطني الإفريقي واتحاد النقابات "كوساتو" في نهاية المطاف جوانب من هذا النهج.

وعلى خلاف التقليد الستاليني فإن اليسار الماركسي لا يتخلى أبدا عن تحليل طبقي أو برنامج سياسي طبقي لصالح موقف قومي أو "وطني" من النضالات التقدمية التي يدعمها، حتى عندما يتعلق الأمر بحركات التحرر الوطني.

ويتمثل برنامجنا السياسي الأساسي في نضال من أجل استئصال كل أشكال التمييز والقمع في المجتمع ومن أجل بناء مجتمع اشتراكي على مستوى المنطقة والعالم سيقضي على كافة الانقسامات القومية والعرقية. إلا أنه لا يكفي أن نتحدث فقط عن المجتمع الاشتراكي المستقبلي، خاصة أخذا في الاعتبار مركزية النضال القومي للفلسطينيين. وفي الظروف الحالية فإن البرنامج الذي يشمل الاعتراف بحقوق متساوية في الوجود وتقرير المصير والذي سيتم التعبير عنه في قيام دولتين متساويتين وبحقوق متساوية كاملة للأقليات، ستسعيان إلى العمل معا على أساس تطوعي في إطار اتحاد كونفدرالي مشترك متناسق مع اتحاد اشتراكي لدول المنطقة، يمكن لمثل هذا البرنامج إقناع شرائح واسعة لجانبي الصراع ووضع أساس لنضال مشترك ضد الرأسمالية الإسرائيلية ومن أجل العدالة الاجتماعية والسلام. ونحن لا ندعي بأننا قادرون على طرح خطة جاهزة لرسم حدود الدولتين — وإن هذه المسألة وغيرها سيتم البت فيها حتما نتيجة العملية الديمقراطية التي ستقودها حركات جماهيرية.

وأخذا في الاعتبار الفجوة العميقة في التصورات السياسية على جانبي الانقسام القومي وفي المنطقة عموما (وفي الواقع كذلك على المستوى الدولي تحت تأثير عدم وجود أحزاب اشتراكية قوية للطبقة العمالية في هذه المرحلة) وكذلك الشكوك حيال شعار "الدولتين" فإنه من الواضح أن نقاط الانطلاق لتفسير هذا البرنامج والدعاية له، بما في ذلك من خلال شعارات سياسية، لا يمكن أن تكون متطابقة في كل حالة وحيال كل جانب. إلا أن البرنامج بحد ذاته هو، حسب رأينا، برنامج مطلوب موضوعيا اليوم. وفي ذات الوقت فإننا مستعدون بالتأكيد لتطوير حوار مثمر بشأن هذه القضية مع الحركات الاشتراكية واليسارية على جانبي الخط الأخضر ودوليا.

طرح بديل

ميل مجموعات من اليسار إلى وصف التوجهات الخطرة للرجعية في المجتمع الإسرائيلي بأنها فاشية خطر سياسيا، لأن ذلك قد يؤدي إلى استنتاجات خاطئة حول الفرص المطروحة والاستراتيجية والتكتيك المطلوبين في النضال في المرحلة الراهنة. وفي هذا المجال فإن الهجمات القاسية على الحريات الديمقراطية في تركيا وروسيا ومصر لا تعني أن النظم في هذه الدول نظم فاشية.

والإرهاب الفاشي الكاهاني ضد الفلسطينيين وحتى اللاجئين واليسار هو في الحقيقة خطر حقيقي، ولكن الحالات القليلة التي تغطيها الصحافة الرأسمالية الإسرائيلية تدفع لإثارة الاشمئزاز في أوساط المجتمع الإسرائيلي (كما كان واضحا على سبيل المثال بعد هجوم على منزل عائلة فلسطينية في قرية دوما وإشعال النار فيه). وفي الحقيقة تضطر الحكومة والطبقة الحاكمة إلى الابتعاد من هذا الإرهاب، لأنه ينظر إليه كعامل لزعزعة الوضع. ولم يقترب الكاهانيون من الاستيلاء على السلطة في الدولة في المستقبل القريب وإنهم أضعف من نظرائهم في اليونان على سبيل المثال. وتحتاج عصابات كاهانية مسلحة بالتأكيد إلى المزيد من الوقت قبل أن تتمكن من الحصول على دعم جماهيري والخروج إلى شوارع المدن والقتل يوميا وتدمير كافة جوانب الديمقراطية ومنظمات العمال.

ومع ذلك هناك أهمية لتشكيل وحدات دفاع محلية — ديمقراطية، وكذلك مسلحة إذا تطلب الأمر ذلك — ضد هجمات المستوطنين والعسكريين والشرطة في البلدات الفلسطينية في الضفة الغربية والقدس الشرقية وبعض المدن داخل الخط الأخضر وكذلك تشكيل وحدات دفاع ذاتي لحماية المظاهرات اليسارية التي تتعرض لأخطار أمنية عالية. لكن في الوقت ذاته هناك حاجة إلى قوى سياسية اشتراكية ويسارية تطرح طريقا إلى نضال سياسي من أجل التغيير.

ومن الواضح أن التنظيم من أجل نضال سياسي في أراضي 67 أكثر تعقيدا في ظل ظروف القمع الشديد والقتل — وكل متظاهر يتعرض لخطر الاعتقال والقتل — وقبل كل شيء في ظل الاستبداد العسكري للنظام الإسرائيلي ولكن كذلك في ظل حكومتي السلطة وحماس. والإضراب الجماهيري الشعبي الذي نظمه المعلمون في الضفة الغربية كان أكبر نضال عمالي خلال سنوات في أراضي السلطة ونجح في هز نقابتهم البيروقراطية المشوهة وكذلك هز السلطة الفلسطينية نفسها والتي تخدم مثل مقاول فرعي للاحتلال وأعاد إلى جدول الأعمال من جديد آفاقا لحركة نضال بمشاركة شرائح واسعة.

ويمكن للتطورات من هذا النوع أن تمثل أساسا لتنامي القوى الاشتراكية واليسارية التي تطرح بديلا للطريق المسدود للقيادة اليمينية لفتح وحماس. ويمكن لتطوير جمعيات في المدن والأحياء السكنية في هذه المرحلة أن يساعد على تطوير حوار حول الاستراتيجية والتكتيك والمطالب وعلى إشراك شرائح أوسع وانتخاب لجان عمل ديمقراطية ستساهم في تنظيم النضال وقيادته وفقا لروح التقاليد الثورية للانتفاضة الأولى. وتاريخ النضال من أجل التحرر الفلسطيني شهد نضالات جماهيرية تاريخية، وسيستخلص جيل جديد من النشطاء دروسها المهمة وخبرتها الحيوية.

نظام نتنياهو بعيد من حصوله على دعم ساحق من قبل المجتمع الإسرائيلي. إنه أضعف بوضوح من نظام شارون في ذروة الانتفاضة الثانية.

ونظام نتنياهو بعيد من حصوله على دعم ساحق من قبل المجتمع الإسرائيلي. إنه أضعف بوضوح من نظام شارون في ذروة الانتفاضة الثانية. واضطر نظامه إلى التعامل مع أكبر حركات احتجاج اجتماعي في تاريخ إسرائيل وسلسلة من النضالات الاجتماعية. وواجه في انتخابات 2013 وكذلك 2015 غضب فئات واسعة نسبيا. وعلى الرغم من استعمال الدعاية القومية العنصرية بوضوح من أجل حشد دعم الناخبين شكل نتنياهو الائتلافات الحكومية القائمة على أساس غالبيات متعرضة لضغوط شديدة في الكنيست، والتي تم تفعيلها فقط بمساعدة أحزاب رأسمالية جديدة وعدت بالتغيير، مثل "لابيد" و"كاهلون".

واندلاع احتجاج عمال شركة "إسرائيل للكيماويات" في فترة انتخابات عام 2015 وكذلك نضال السكان من أصل أثيوبي بعد ذلك، وبمشاركة مجموعات من أنصار "ليكود"، أكد أن قاعدة دعم حكم "ليكود" مهددة إلى حد بعيد. ودخل عمال "إسرائيل للكيماويات" في مواجهة مباشرة مع "ليكود"، كما توصل عدد من النشطاء خلال نضال السكان من أصل أثيوبي نتيجة تغير أفكارهم بشكل راديكالي في المواجهة مع النخبة إلى استنتاجات يسارية معينة. بالإضافة إلى ذلك فإن حركة احتجاج حول صفقة الغاز أثارت سلسلة من المظاهرات في الشوارع عكست الغضب من نظام نتنياهو، وذلك على الرغم من الدور المعيق الذي لعبته القيادة الموالية للرأسمالية في ذلك النضال.

ويحصل نظام نتنياهو على دعم سياسي كبير من القوى الرجعية في المنطقة، ومن أحزاب "المعارضة" في الكنسيت ومن الصحافة القومية المتشددة. وتُمكن هذه الجهات النظام من استغلال المخاوف الأمنية والوجودية في المجتمع اليهودي إلى حد ما، وفي بعض الظروف على نطاق واسع. إلا أن التصعيد المستمر للصراع يثير شكوكا معينة ويطرح أسئلة معينة في بعض الأجزاء من هذا المجتمع.

من جهة أخرى فإن الفكرة القائلة إن اضطهاد الفلسطينيين ومشاكل الصراع ستحل نتيجة فرض الضغوط على إسرائيل من قبل حكومات رأسمالية أخرى، فكرة وهمية. والحل لن يأتي من الخارج. ومع ذلك فإن التطورات الخارجية التي توفر فرصا وتحقق إنجازات للحركات الجماهيرية واليسار في المنطقة والعالم، قد أثرت — كما حدث خلال الثورات العربية في عام 2011 — وستؤثر في المستقبل في عملية الانفتاح لأفكار اشتراكية وطبقية ويسارية في أوساط الطبقة العاملة والطبقة الوسطى للشعبين. والزلزال السياسي الذي أثارته حملة السيناتور بيرني ساندرز في الانتخابات الأمريكية قد أصبح نقطة مرجعية معينة بهذا الشأن.

ويمكن لتفعيل التعاون على أساس مبدئي بين القوى السياسية اليسارية أن يساعد على بدء تجاوز غياب قوى سياسية تعتمد على الطبقة العاملة للشعبين وكذلك على بدء طرح بديل اشتراكي في جدول الأعمال على المستوى القطري.

وهناك حاجة على كلا جانبي الخط الأخضر إلى التنظيم سياسيا على أساس طبقي مستقل وتشكيل أحزاب جماهيرية ستعبر عن المشاكل والمصالح الحيوية للطبقة العاملة وستطور نضالا حول برنامج اشتراكي من أجل طرح طريق للخروج من الصراع الدموي وللقضاء على اضطهاد الفلسطينيين والرأسمالية الإسرائيلية.

وحركة النضال الاشتراكي ملتزمة تماما بنضال على أساس نهج طبقي ودولي من أجل تغيير اشتراكي، ونحن على قناعة كاملة بقدرة الأفكار الاشتراكية والماركسية على إقناع كلا جانبي الصراع وحصولها على دعم العمال عربا ويهودا.




شمعون بيرس
اسطورة حمامة السلام
2016/10/18

40 عاما على انتفاضة يوم الأرض
كفى للتمييز! كفى للفقر! كفى للاحتلال!
2016/03/30
 

حركة نضال اشتراكي
حركة نضال اشتراكي
ص.ب 59187, تل أبيب–يافا 6159101
info@socialism.org.il
054.548.13.78 | 054.818.44.61
RSSيوتيوبتويترفيسبوك
CWIنضال اشتراكي هي حركة اشتراكية تناضل من أجل مجتمع اشتراكي وديمقراطي يقوم على العدالة الاجتماعية والسلام والمساواة.
هذه الحركة شريكة في اللجنة لأممية العمال (CWI)، وهي منظمة إشتراكية دولية توحد حركات وأحزاب إشتراكية في عشرات البلدان في جميع أنحاء العالم.

مواقع دينا التوأم المنظمات في جميع أنحاء العالم